بقلم أحمد دقيوس باحث في القانون العام
مع كل موسم صيف، يتجدد النقاش حول وضعية النظافة بمدينة الناظور، وتنتشر صور الحاويات الممتلئة والنفايات المتراكمة، لتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء لتبادل الاتهامات، حيث توجه أصابع اللوم مباشرة إلى الجماعة الترابية والشركة المفوض لها تدبير مرفق جمع النفايات. ولا شك أن مساءلة المسؤولين عن تدبير المرافق العمومية حق مشروع، غير أن اختزال أزمة النفايات في مسؤولية الجماعة أو الشركة وحدهما لا يعكس حقيقة الإشكال، بل يغفل جانبا أساسيا يتمثل في المسؤولية المشتركة لباقي الفاعلين.
هذا الاستنتاج لم يكن مجرد انطباع شخصي، بل تؤكده النتائج التي توصلت إليها في إطار بحثي لنيل شهادة الماستر في القانون العام، الموسوم بـ: “تدبير مرفق جمع النفايات الصلبة في المغرب نحو حكامة مستدامة: دراسة حالة جماعة الناظور”، والمنجز تحت إشراف الدكتور المصطفى قريشي، بكلية متعددة التخصصات بالناظور. وقد خلصت هذه الدراسة إلى أن أزمة النفايات بمدينة الناظور لا تقتصر على إشكاليات الجمع والنقل، وإنما تمثل، في جوهرها، أزمة حكامة وتخطيط، وقبل ذلك أزمة سلوك وثقافة بيئية ومواطنة مسؤولة.
لقد أولى المشرع المغربي عناية خاصة لتدبير النفايات، فجعلها من بين الاختصاصات الذاتية الأساسية للجماعات الترابية. وفي هذا الإطار، أسند القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات إلى هذه الأخيرة مسؤولية إحداث وتنظيم وتدبير خدمات القرب، وفي مقدمتها خدمات النظافة وجمع النفايات المنزلية وما يماثلها. ومن جهة أخرى وضع القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها الإطار القانوني المنظم لمختلف مراحل تدبير النفايات، بدءًا من الحد من إنتاجها، مرورا بعمليات جمعها ونقلها وفرزها وتثمينها، وانتهاء بالتخلص منها وفق ضوابط تكفل حماية البيئة وصحة الإنسان. وكما عزز القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة هذا التوجه، من خلال تكريس مبادئ الحكامة البيئية والتنمية المستدامة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتوجيه السياسات العمومية، وضمان تدبير بيئي متكامل يحقق التوازن بين متطلبات التنمية والمحافظة على الموارد الطبيعية.
غير أن وجود هذه الترسانة القانونية، مهما بلغت أهميتها، لا يكفي وحده لضمان نجاح منظومة تدبير النفايات، لأن المرفق العمومي لا ينجح بالنصوص فقط، وإنما بمدى التزام جميع المتدخلين بأدوارهم. فالجماعة مسؤولة عن التخطيط والمراقبة، والشركة المفوض لها مسؤولة عن تنفيذ الخدمة وفق دفتر التحملات، لكن المواطن، والتاجر، وصاحب المطعم، وكل منتج للنفايات، يظل شريكًا أساسيًا في نجاح هذا المرفق.
ومن خلال المعاينة الميدانية التي رافقت الدراسة، تبين أن واحدة من أكبر الإشكالات تتمثل في غياب الوعي الجماعي بأهمية احترام مواقيت إخراج النفايات. فعدد كبير من المواطنين لا يلتزم بالأوقات المحددة، حيث توضع الأكياس في ساعات مختلفة من اليوم، وتبقى لساعات طويلة في الشارع قبل مرور شاحنات الجمع، مما يؤدي إلى انبعاث الروائح الكريهة، وتمزيق الأكياس من طرف الحيوانات الضالة، وتشويه المشهد الحضري. وبعد ذلك، يختزل المشهد في اتهام الجماعة أو الشركة بالتقصير، بينما يكون جزء معتبر من المشكلة ناتجا عن سوء استعمال المرفق العمومي.
ولا تقف المسؤولية عند الساكنة، بل تمتد إلى عدد من أصحاب المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي ومحلات بيع الدجاج والأسماك والخضر، التي تنتج يوميا كميات كبيرة من النفايات، خاصة العضوية منها. ففي كثير من الحالات، يتم التخلص من هذه النفايات بطريقة لا تحترم الشروط الصحية، حيث تفرغ مباشرة داخل الحاويات دون أكياس محكمة الإغلاق، أو تترك بجانبها، فتتسرب العصارة العضوية، وتنتشر الروائح الكريهة، وتتكاثر الحشرات، وتتضرر الحاويات، ويصبح الفضاء العام أول المتضررين.
ومن المفارقات أن الجماعة تتوفر على قرارات تنظيمية تفرض غرامات مالية على المخالفين، إلا أن هذه المقتضيات تظل محدودة الأثر بسبب ضعف تفعيلها. فالقانون الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يفقد جزءا كبيرا من وظيفته الردعية، ويكرس ثقافة الإفلات من الجزاء. لذلك، فإن تعزيز المراقبة، وتحرير المخالفات، وتطبيق الغرامات المنصوص عليها قانونا، يعد شرطا أساسيا لإرساء احترام قواعد النظافة وحماية الفضاء العام.
ومن النتائج المهمة التي خلصت إليها الدراسة أيضا، أن عددا من المبادرات التي أطلقتها الشركة المفوض لها، رغم وجاهة بعضها، لم تحقق النتائج المرجوة. ولا يعود ذلك دائما إلى ضعف الجانب التقني، وإنما إلى غياب استراتيجية تواصلية فعالة. فقد تم اعتماد حاويات جديدة وإدخال بعض التغييرات في طرق الإيداع والجمع، دون أن تواكبها حملات تحسيسية وتواصلية تشرح للمواطنين كيفية استعمال هذه الحاويات، وأوقات إخراج النفايات، وأهداف هذه الإجراءات. فالاستثمار في المعدات وحده لا يكفي إذا لم يواكبه استثمار مواز في التواصل العمومي، لأن نجاح المرفق العمومي رهين أيضا بتغيير سلوك المرتفقين وبناء الثقة بينهم وبين الإدارة.
كما كشفت الدراسة عن غياب شبه تام لثقافة الفرز من المصدر، إذ ما تزال النفايات العضوية والبلاستيك والزجاج والورق والمعادن تجمع جميعها في الكيس نفسه، دون أي عملية فصل أو تصنيف. وهذا الواقع يحول دون تثمين النفايات أو إعادة تدويرها، ويجعل المطمر الوجهة الوحيدة لها. وفي المقابل، أصبحت مدن عديدة عبر العالم تعتبر النفايات موردا اقتصاديا يدخل في إطار الاقتصاد الدائري، بما يوفره من فرص لخلق الثروة، وتقليص كلفة التدبير، وحماية البيئة.
ولا يقتصر الأمر على الجوانب السلوكية، بل يمتد إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي. فمن بين أبرز الاختلالات التي تعاني منها عمالة الناظور غياب المخطط المديري الإقليمي لتدبير النفايات، الذي يعد المرجعية الأساسية لتوجيه السياسات العمومية في هذا المجال. فهذا المخطط لا يمثل مجرد وثيقة تقنية، بل يحدد الرؤية المستقبلية للقطاع، ويشخص الحاجيات، ويقترح البنيات التحتية الضرورية، ويؤطر مشاريع الفرز والتثمين وإعادة التدوير، ويضمن التنسيق بين مختلف الفاعلين. واستمرار غيابه يجعل تدبير النفايات محكوما بمنطق معالجة الأزمات الموسمية بدل اعتماد رؤية استباقية ومستدامة.
كما أن قراءة الاعتمادات المالية المخصصة لهذا القطاع تكشف أن النفايات لا تزال تنظر إليها، في كثير من الأحيان، باعتبارها عبئا ماليا ويزداد خلال فصل الصيف والأعياد، حيث يتركز الاهتمام على تغطية تكاليف الجمع والنقل، دون أن يقابله استثمار حقيقي في مشاريع التثمين، أو الفرز من المصدر، أو إعادة التدوير. والحال أن الاقتصاد الدائري لم يعد ترفا بيئيا، بل أصبح خيارا تنمويا يحقق عائدا اقتصاديا، ويوفر فرصا للشغل، ويقلص الضغط على الموارد الطبيعية.
إن التجارب الدولية الرائدة أثبتت أن نجاح منظومة تدبير النفايات لا يقاس بعدد الشاحنات أو الحاويات، وإنما بقدرة الفاعلين على بناء منظومة متكاملة، يكون فيها المواطن شريكا في إنتاج الخدمة العمومية، وليس مجرد مستفيد منها. وهذا ما يعبر عنه اليوم بمفهوم المواطنة البيئية، التي تجعل احترام الفضاء العام، والالتزام بمواقيت إخراج النفايات، والفرز من المصدر، والمحافظة على نظافة المدينة، جزءا من السلوك اليومي للمواطن، وليس مجرد استجابة ظرفية لحملة تحسيسية.
إن إصلاح منظومة تدبير النفايات بمدينة الناظور يقتضي رؤية شمولية تقوم على خمسة مرتكزات أساسية: أولها، تفعيل المراقبة وتطبيق الجزاءات القانونية على كل من يخالف قواعد تدبير النفايات؛ وثانيها، اعتماد المخطط المديري الإقليمي باعتباره المرجعية الاستراتيجية لتطوير القطاع؛ وثالثها، الاستثمار في الفرز من المصدر والتثمين والاقتصاد الدائري؛ ورابعها، بناء استراتيجية تواصلية مستمرة تشارك فيها الجماعة، والشركة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، وجمعيات المجتمع المدني لترسيخ الثقافة البيئية؛ وخامسها، اعتبار المواطن والفاعل الاقتصادي شريكا في نجاح المرفق العمومي، وليس مجرد متلق للخدمة.
وفي الأخير، فإن أزمة النفايات بمدينة الناظور ليست مسؤولية الجماعة وحدها، ولا الشركة المفوض لها وحدها، كما أنها ليست مسؤولية المواطن وحده. إنها مسؤولية جماعية تتقاسمها الإدارة، والمنتجون الكبار للنفايات، والساكنة، والمجتمع المدني، ومختلف المؤسسات المعنية. وكل خطاب يختزل الأزمة في طرف واحد، مهما كانت مبرراته، يظل خطابا ناقصا، لأنه يتجاهل أن نجاح المرافق العمومية يقوم على توازن دقيق بين جودة التدبير، واحترام القانون، ووعي المجتمع.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: من المسؤول عن تراكم النفايات؟ بل: كيف نجعل كل متدخل يتحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية والبيئية؟ فحين ننجح في بناء هذا الوعي الجماعي، سنكون قد انتقلنا من تدبير موسمي للأزمة إلى سياسة عمومية مستدامة، تجعل من النفايات موردا اقتصاديا، ومن نظافة المدينة مسؤولية يتقاسمها الجميع.
Add a Comment