ذ رشيد صبار يكتب: قصة “سروال علي” لأحمد بوكماخ، أو رسالة إهمال لسياسيينا.

24 مارس 2021 - 5:42 م

امنوس.ما/كتب رشيد صبار

عودة من جديد اعزائي القراء لإحدى قصص الكاتب “احمد بوكماخ” ومازال المغاربة الذين ساعدتهم الظروف على الالتحاق بمقاعد الدراسة بعد استقلال المغرب يعرفون جيدا من هو احمد بوكماخ ومن دون شك ان من منهم من مازال يتذكر بوضوح العديد من العناوين ومضامين القصص والنصوص التي وردت في كتاب مدرسي من تأليفه بعنوان “اقرأ ” ونذكركم في سبيل الميثال بعض القصص التي تناولناها في مقالات سابقة”احمد والعفريت” ،”القرد النجار” ،”الشعب والحكومة” ،”سلوى وجرس المنبه”، “الفأر الخياط” ،وما كان كاتبنا توقعه بعد مضي اكثر من نصف قرن. ومن خلال هذا العمود سنتناول قصة جديدة عنونها كاتبنا ب”سروال علي” وحكاها كما يلي:اشترى علي سروالا جديدا، فلما ذهب به إلى المنزل، وجده طويلا، فقال لامه:هل تسمحين-يا امي-بتقصير سروالي؟ فاجابته <<ليس عندي وقت، لاني الان مشغولة جدا>>، فذهب علي الى اخته الكبرى، فقال لها مثل ما قاله لأمه، فكان جوابها مثل جواب امه، وكذلك كان جواب اخته الثانية، ثم الثالثة، فذهب مغضبا الى فراشه، فنام وترك السروال الجديد معلقا على المسجب. ولما فرغت الام من عملها في المساء، تذكرت ما طلبه منها ولدها فأخذت السروال، فقصت منه جزأ بقدر ما كان يريد، ثم اعادته الى المسجب ثم جائت اخته الكبرى، فرأت السروال معلقا، فتذكرت ما طلبه اخوها، ولم تكن تعلم بما فعلته امها فاخذته، وقصت منه جزأ اخر، وكذلك فعلته الثانية ثم اخته الثالثة. فلما استيقض،علي من نومه، اراد ان يلبس سرواله الجديد، فوجده قصيرا جدا، لا يكاد يستر فخديه، لان تعديد الأيدي في العمل الواحد يفسده.
ان التأجيل والمماطلة هو ما ادى الى سروال علي ان يصبح على ذلك الشكل، يبدو ان لا احد لديه حصانة من الميل نحو التأجيل والمماطلة، لكن تأجيل انجاز المهام يترك أثرا سلبيا كبيرا على إنتاجية ونفسية الإنسان ايظا،فالمماطلة والتأجيل ليست امورا حتمية، وبالتالي عندنا تكشف سبب تأجيل انجاز عمل ما، ومن تم يتخذ الانسان خطوت ملموسة للحيلولة دون حصول ذلك فإن ذلك يساعده في انجاز المزيد من المهام وسيمنحه احساسا مريحا اتجاه نفسه.
فبعد مرور نصف قرن كان يتوقع كاتبنا ان عدة مشاريع طالبتها الساكنة ستتعرض لما تعرض له سروال علي بسبب القص والتأجيل والتماطل من طرف الحكومات ووزرائها، والمنتخبين،كم من مشروع مستشفى جامعي طولب به واصبح مستشفى اقليمي، وكم من مركب رياضي طولب به وأصبح ملعبا بدون مواصفات، وكم من جامعة طولبت واصبحة كلية ملحقة، وكم طريق سيار طولب واصبح طريق ثانوية… هذا التقزيم ان صح التعبير راجع الى سوء التدبير والتسيير واللامبالات من طرف الحكومات المتعاقبة وكل واحدة تستصغر ما قامت به سابقاتها.
كم من مشروع في بلادنا وصل الى ما وصل اليه سروال علي نتيجة الاخلال بشروط ومعايير انجاز مشاريع التهيئة الخاصة بمختلف المدن وهذا نتيجة لغياب التنسيق بين الهيئات المحلية ومختلف مسؤولي القطاعات الإدارية والمنتخبة، كما حدث بين الام وبناتها عند اصلاح سروال علي. ومثال حي عشناه في برنامج التنمية المجالية لاقليم الحسيمة الذي اطلق عليه اسم “الحسيمة منارة المتوسط” هذا المشروع تعثر منه انجاز مجموعة من المشاريع المندرجة لاسياما ما يتعلق بقطاعات الصحة والتعليم والتجهيز، مما ادى إلى اقالة مجموعة من الوزراء ومسؤولين كبار… وشاهد المغاربة جميعا عبر مختلف وسائل الإعلام، غرق مدينة الدار البيضاء في الاوحال بسبب الفياضانات، سببها الامطار التي نزلت والتي لم تكن طوفانية،وتشللت الحركة فيها لمدة يومين، على اثرها بدأت الاتهامات توزع بين المسؤولين والمنتخبين والشركة المفوض لها والمقاولين. من وسط المغرب الى شماله وبالضبط بمدينة طنجة، لولا ذلك الفيضانات التي شهدتها المدينة لما اكتشف ذلك المعمل الغير المرخص للمنسوجات يتم تشغيله في احدى المباني السكنية تحت الارض والذي تسبب في القتل غرقا لحوالي 28 عاملا حصروا بداخله بسبب تسرب مياه الامطار، فبدأت الاتهامات توزع ، يطرح السؤال ومن المسؤول؟ من المسؤول كاننا نتحدث عن من المسؤول ومن كان السبب في نقصان سروال علي هل الام او بناتها.
ما اريد الوصول اليه، هذه الاحزاب السياسية المغربية الممثلة بوزرائها في الحكومة، وبمنتخبيها في الغرفتين، وفي الجهات والجماعات ،والتي تفتقد للاستشارة وحرية التحاور والتشارك في اتخاذ القرار وما شابه في الوقت المناسب والاني، فمن المؤكد انها سوف تؤول إلى السقوط، بسبب عدم قدرتها على تمثيل مصالح المواطنين، ولعل النتيجة الاكثر خطورة تتمثل في ابتعاد الجماهير عن الاحزاب، ومقتها للانخراط في العمل الحزبي، بسبب غياب الثقة الجماهرية بها،كونها تمثل صورة مصغرة للدكتاتورية وغياب حرية الرأي،مما يؤدي إلى انتعاش الكذب والغش في الادارة الفاشلة لشؤون بعض الاحزاب واعضائها(ولا اعمم) سوف تتناسل على هذا العقبات وتزداد المشاكل والازمات في هذه الاحزاب، منها وقد تكون اخطرها مشكلة ابتعاد الشعب عن الاحزاب، اذا كانت قيادتها “دكتاتورية”، لسبب واضح وبسيط ان الشعب لا يثق بالحكومة المستمدة من هذه الاحزاب، وعلي ايضا لن يثق مستقبلا في افراد عائلته التي كانت سببا في سرواله الذي ذهب ضحية.
ما استنتجته في الاخير ان روعة الحياة ان تكون قرب اشخاص يدركون معنى الاهتمام، اما نحن فنقول ان الاهمال وعدم الاهتمام، هو اكثر من الاشياء المسببة للألم، خاصة عندما تأتي من سياسيينا كنا نشعر انهم الافضل.
اما كاتبنا احمد بوكماخ كان رأيه هو ان لاتجبر احدا على الاهتمام بك والسؤال عنك كما لو كان يبحث عن شيئ ثمين ضاع منه، كسروال علي.
فكم أنت عظيم يا بوكماخ.. لقد كانت نصوصك القديمة مكتوبة للزمن الحديث

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: