شرارة المقاومة بالريف الشرقي: من الشريف محند أمزيان إلى معركة “عاهد العروي” (ج 1)

3 أكتوبر 2020 - 11:48 م

د: محمد حماس (باحث في التاريخ والتراث)

لا يمكن اختزال تاريخ المقاومة بالريف في شخص محند بن عبد الكريم الخطابي ومعركة أنوال، لأن التاريخ يسجل غير ذلك. فالمقاومة انطلقت شرارتها الأولى مع الشريف محند أمزيان منذ 1908، واستمرت حتى 1921م، حتى معركة “عاهد العروي”، والتي نعتبرها، حسب تقديرنا، أقوى وأشرس من غيرها من المعارك، لأنها كانت فرصة خلاص مليلة وجلاء الإسبان منها ومن الريف بكامله، بعد الضربات الموجع والمتتالية التي مني بها جنود الاحتلال. لكن موقف الخطابي من عاهد العروي قلب موازين المعركة لصالح الإسبان، وقضى على المقاومة وأضعف شوكتها، وحط من معنويات القبائل المقاومة بالريف الشرقي، وهي الحركة التي أسس لها القائد الشريف محند أمزيان، والحاج اعمر لمطالسي، وبورحايل، وغيرهم من المقاومين الذي قتلوا وهم يحملون بنادقهم دفاعا عن أرض الريف، والوطن، قضوا على فتنة الجيلالي الزرهوني “بوحمارة”، ولم يستسلموا. رجال لم يكتب عنهم أحد غير ما احتفظت به ذاكرة المقاومة بين من جايلهم وشهد الوقيعة …

 

 على سبيل التقديم

كل مرة نطرق باب تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، نقف أمام سؤال الذات والكتابة التاريخية. هل نكتب عن ذواتنا/ تاريخنا بجرأة وتجرد وموضوعية؟ هل نكتب سعيا وراء الحقيقة، باعتبار أن التاريخ يكتب نفسه بنفسه، ولا يمكن الافتراء عليه، أو بناء مجد من وهم، وأكاذيب؟
ثم إن تاريخ المغرب يعتمد في مصادره، لهذه الفترة، على بيبليوغرافيا الأرشيف العسكري، الفرنسي والإسباني والأماني، أي على ما خلفه الاستعمار الذي احتل البلد لعقود، وكتب عن تلك الفترة بأسلوبه وأفكاره، وإيديولوجيته، وهو منتوج كولونيالي؟ هل بوسع الباحث في هذا المجال الاطلاع على الوثائق غير المتاحة للعلن، “الممنوعة”، ليكتب ما خفي من تاريخ المغرب خلال فترات مظلمة، أم أن كل دولة تأفل يتبخر تاريخها، لتقوم مقامها دولة أخرى؟ طبعا هناك من يكتب التاريخ في صمت، وهناك التواتر الشعبي بما له وما عليه، والذي لم يتم التفكير في جمعه وإخضاعه للمناهج العلمية.
وفق هذا المنظور نريد، من خلال هذا المقال، بسط شذرات من تاريخ المقاومة بالريفي الشرقي المغربي بداية القرن العشرين، عند مصب ملوية، حيث بدأت الشرارة الأولى لمقاومة الاحتلال الإسباني الذي سيلحق خرابا كبيرا بهذه الأرض، وسوف يغادرها مخلفا أرضا محروقة، بعد أن نهب خيراتها، منها منجم الحديد ب ويكسان، وتقتيل لأبنائها وهتك لأعراض نسائها، وتنكيل بالمقاومين الذي اختاروا حمل البندقية حتى الموت.
لابد من إبداء ملاحظة أساس، هي أن الريف يتميز عن غيره من مناطق المغرب، كونه أرضا غير مطروقة، أي لم يدخلها أجنبي بسبب الطبيعة الجغرافية الجبلية للمنطقة، ووعورة مسالكها، ثم بسبب الطابع المحافظ كثيرا لساكنة الريف لدجة العزلة المطلقة عن العالم الخارجي. وبالتالي عقلية وثقافة أهالي هذه المنطقة، والتي لا تزال قائمة إلى يومنا، رغم تفكيكي بنيتها الاجتماعية واختراقها، وربطها بسائر تراب المغرب. ومرد ذلك، في اعتقادنا لما تعرضت له المنطقة من غزو وقساوة الوافد الدخيل، ثم اللحظات التاريخية المريرة للاعتداءات من طرف الاستعمار والمخزن والزوايا الصوفية.

ومعلوم أن الأطماع الاستعمارية الأوروبية المتربصة بالمغرب، نهاية ق18م وبداية ق 19م، جعلت من المغرب “قضية” دولية، أضحت أزمة مع نهاية ق19م بسبب ضغوطات ألمانية ضد أطماع فرنسا، الشيء الذي أدى لانعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 م، فحازت كل من فرنسا وإسبانيا امتيازات لا حد لها في بلاد المغرب الأقصى. فتم احتلال وجدة سنة 1907م، لتتطور الأحداث المصطنعة من قبل فرنسا لتفرض معاهدة الحماية على المغرب في 30 مارس 1912م. لتنطلق حركة المقاومة الشرسة للمحتل بسائر تراب المغرب إلى غاية 1934م، حيث سيتمكن المستعمر من بسط نفوذه على سار تراب البلاد.
ثم إن الريف عاش تحت وطأة استعمار مزدوج، إسباني وفرنسي، حيث حصلت إسبانيا على نصيبها من تراب المغرب لتبسط نفوذها على شمال البلاد، بموجب اتفاق مع فرنسا في 27 نونبر 1912م، لتلقى مقاومة عنيفة من طرف أهالي الريف، منهم الريسوني بمنطقة جبالة، ثم الشريف محند أمزيان بالريف الشرقي.
 التأطير الجغرافي
تبدو تضاريس الريف وعرة المسالك، وبها الكثير من النتوءات، لكنها اتسمت بقلة المرتفعات الجبلية وتباعدها (أقل من 1000م)، عدا جبال آيث بويحيي جنوبا، والتي بها جبل “مَزْﯕُـوطْ” الذي يبلغ علوه 1846م؛ والتي تعتبر امتدادا طبيعيا لجبال آيث يزناسن(1) غرب واد ملوية؛ ومعلوم أيضا أن حوضي كرط و”بُوعَرْﯕْ” يفصلان بين نظامين جبليين مختلفين، أي بين مرتفعات كبدانة الممتدة في اتجاه الجنوب الغربي عبر جبل كركر(ماورو)، وبين شبه جزيرة قلعية(2).
وتتميز بلاد الريف بوجود سبخة كرط التي تشكل بحيرة واسعة تفيض ماء في فصل الشتاء، لتجف في فصل الصيف، فتتحول إلى بساط أخضر من الأعشاب(3).
هذه الخصوصيات الطبيعية جعلت من منطقة الريف مصدر اهتمام المصادر التاريخية والجغرافية، بفضل وقوعها في منطقة غير مطروقة، فكانت لها بذلك مكانة خاصة بين الدارسين من المؤلفين المغاربة، قدامى ومحدثين، وعند الأجانب من الرحالة وفي أعمال بعض العسكريين الفرنسيين والإسبان.
 التأطير البشري
إن جغرافية المنطقة هي التي ستتحكم في الاستقرار القبلي، وبالتالي فهذه الطبيعة الجغرافية هي التي ستؤطر الوقائع التاريخية التي ستشهدها منطقة الريف ككل، ومنها استقرار القبائل بحوض كرط، خاصة إحدى كبريات هذه القبائل ذات الأصول الزناتية، وهي قبيلة آيث بويحيي(4). هكذا يبدو إقليم كرط منفتحا على غيره على مستوى كل الجهات، الشيء الذي سيسهم في تعزيز مكانته الاقتصادية، خاصة وأنه غير بعيد عن ميناء مليلة(5)، أهم مركز تجاري بالريف الشرقي. ربما الطبيعة غير الملائمة للمنطقة هي التي جعلتها في منأى عن أي تدخل أجنبي، حتى في العهدين الفينيقي والروماني(6). فهذه الطبيعة لم تجلب إليها سوى بعض قبائل الرحل من أصول مختلفة، وقد أورد المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون في كتاب العبر، أن الجيل الأول من زناتة كان ينتجع بجوار واد ملوية، حيث أن زناتة كانوا يستوطنون بطرابلس وجبل أوراس والزاب إلى ملوية، حين كانت الرياسة فيهم لجراوة وبني يفرن ومغراوة(7).
واستمرت البلاد على حالها إلى حين دخول الاحتلال الإسباني، الذي شق بعض الطرق بين أرجاء القبيلة أثناء الزحف العسكري على ربوع الريف الشرقي مع بداية ق20م، ومنها قبيلة آيث بويحيى، حيث كانت جل المسالك ضيقة لا تسمح بمرور الآليات والحافلات، ومنها الطريق المتجهة نحو الحسيمة فتطوان. وكان الإسبان يتحكمون في وسائل النقل القليلة ذات المواعيد الأسبوعية، والتي تتنقل بين الأسواق وتتخذ من الناظور ومليلة مركزا لها، وتمر الحافلات في طريقها عند موعدها الأسبوعي على سلوان، والعروي، وثيزضوضين، بتراب آيث بويحيي، بعيدا عن الناظور ما بين 18 و20 كلم.
 الشريف محند أمزيان .. المقاوم الشرس
يبدو الشريف محند أمزيان، من خلال تنشئته، أن لا علاقة له بأمور الحرب والمقاومة، فقد درس في الكتاب على عادة أهل الريف آنذاك، ثم انطلق للتجارة في الماشية نحو الجزائر. ويشير صاحب “الكشف والبيان”(8) إلى أن كل ريفي بلغ سنا تخول له حمل السلاح، لابد وأن يقتني بندقية وذخيرة، لا تفارقه كلما غادر منزله، تحسبا لتربص الأعداء به.
وسط هذه الأجواء ظهر الشريف محند أمزيان، فكان محط إجماع قبائل الريف الشرقي، يحبونه ويقدرونه، ويفض نزاعاتهم، ويوحد صفوفهم. سكن ازغنغان، وكانت له أملاك واسعة حازها الإسبان لما احتل ازغنغان، فبنوا مدينة وثكنة عسكرية بها تشمل حوالي 4 آلاف جندي … لكن الشريف محند أمزيان انخرط في طريق المقاومة ضد الاحتلال الإسباني، وعزف عما دون ذلك، باسم الجهاد، بما للجهاد من حمولة دينية.

هكذا انخرط الشريف محمد أمزيان في مسيرة المقاومة إلى الموت. ناهض الاستعمار الإسباني من جهة، ثم قاوم الجيلالي الزرهوني “بوحمارة” الذي زادت أطماعه بعد تمرده على دار المخزن، ونزوله بديار قلعية الذين انتفضوا ضده.

الهوامش:
1) بني زناسن: هم أمازيغ من زناتة. قد يضمون بين ظهرانيهم بعض الفروع العربية. يعود استقرارهم بالجبال المعروفة باسمهم منذ الفتح الإسلامي، بعد أن كانت زناتة جميعها بأوراس الجزائر أيام الملكة ديهيا، حيث أنه إلى حدود 1068 تواجد زناتة بأعداد هائلة بوهران. يسميهم شارل دوفوكو، بني زناتن(بني زناتة)، هي القبيلة الكبرى التي تظهر على خرائطنا تحت اسم بني زناسن”.
– Document pour servir à l’étude du Nord Ouest Africain. P 237 /238
– Louis Voinot, Oujda et l’Amalat (Maroc), Imp El Maarif Al Jadida, Rabat, 2010, 2e partie, p. 231
2) J. CÉLÉRIER et A. CHARTON, RIF ET JBALA, Le milieu physique, Bulletin de l’Enseignement Public du Maroc, Paris, n°71, 1926, p. 12/13/14
3) Elie de La Primavdaie, Les villes maritimes du Maroc, Revue Africaine, V.16, n°92, 1872, p. 106
4) للتوسع أكثر يمكن الاطلاع على:
– N. Lacroix, H.M.P. DE la Martiniére, Le Rif Les Djebala, Documents pour servir à l’étude du Nord-Ouest africain, Alger, 1894-1897, T1, p. 235
5) Alengry. Jean, Les relations franco-espagnoles et l’affaire du Maroc, la France et l’Espagne au Maroc, Imp, La Vie Universitaire, Paris, 1920, p. 76
6) Mouliéras Auguste, Le Maroc …, op.cit, p. 139
7) عبد الرحمن ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصره م من ذوي الشأن الأكبر. دار الفكر. بيروت 2000، ج7، ص 11
8) العربي الورياشي، الكشف والبيان عن سيرة بطل الريف الأول سيدي محمد أمزيان وأخبار مقاومته هو وإخوانه الريفيين أبي حمارة، ثم الإسبان، المطبعة المهدية، ط. 1، 1976، تطوان، المغرب، ص. 79-80

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: