الدكتور بوجمعة الكوي يكتب ،، أحاسيس ثريثماس ،،

7 سبتمبر 2020 - 10:55 م

بقلم : د. بوجمعة الكوي

استيقظت ثريثماس في صباح يوم نحس مستمر، ليس فيه مستقر، لا يحاذر ولا يؤزر، تستقبل فقط كل ما يزلزل عزمها، ويكهرب اعصابها، ويضعف تبخترها، ويجرجر كبرياءها، كأنهم جراد منتشر في يوم يتعسر ويحتقر. انه اليوم الخامس والأخير في دورتها الشهرية حسب حستها الادراكية الغير الارستقراطية. لقد غادرها طائر السعد، وتخلى عنها موكب الجد، وتركها بين براثين طعنات الالسن النسائية واراجيفهن، انها جريح القلب قيح الصدر، تسممت افكارها، وازدادت سماجتها، وكرهت أصلها وفصلها، احاسيسها في هدأة الاسحار تطوي الدروب وتستعجل الإبحار الى منتجع السكينة والاستقرار.

كعادتها استفاقت من نومها مع أذان الفجر ادبان تسكعات اخوها المتحلل الخلق، المحتال المارق، الفاجر السارق، الذي يعاشر شرار بني بويفار، ويعاقر الخمر حتى الفجر وصيح الديكة في هذه البلدة المتلونة الطباع، المليئة بالأوجاع، رحمة من الله انها ارض النعناع. “هل يرجى من الشوك العنب؟’ تتساءل في طيات نفسها. تناولت فطورها المعتاد، كأس شاي بعشبة النعناع الريفي، رغيف من خبز الشعير وزيت الزيتون الطريةّ، وبعض من الحلوى التي اقتانها ابوها ‘الحاج محند’ من السوق الأسبوعي الأخير.

اتجهت بخطى متثاقلة نحو الزريبة، جوار بيتها الريفي الذي تتطاير منه رائحة الاطيان والاعلاف، في يوم عسير غير يسير، واعماقها مليئة بكل ما يصعب البوح به. لازالت تتذكر صديقتها سعيدة، التي طعنتها بلسانها أمس في مسيرة جلب الماء، مما عكر صفوها ونغص مزاجها، وجعلها واجمة، واوغر صدرها على قرينتها، وعجل بها للبحث عن بلسم يمسح همومها، وعطر يعطر عالم احلامها. لقد بكت بعينها المدرار بسبب الزمن المكار، ‘لك الخزي والعار يا سعيدة’ تقول في طيات نفسها الملتهبة بالنار.

كانت رغم الحر اللاهب، تلبس عباءة شتوية تآكلت أطرافها من الوسخ والعرق والعمل المستمر في الحظيرة، لكنها رغم ذلك ما زالت مصرًة على ارتدائها وكأنها تعويذة تقييها شر اعين صديقتها اللائي يرمقونها بازدراء وهي بدورها تجيبهم بسيل من الشتائم الثقيلة الوزن، فيتطاير من فمها رذاذ يجعل من الصعب تصديق أنها حقًا تلك الفتاة الطيبة الوديعة في أواخر الثلاثينات من عمرها. ‘ما بال هؤلاء النسوة يقرعن طبول العار والشنار؟ تريد شيئا ينصت لحزنها، ويعيد لجسدها الاخذ بالذبول فتوته الغابرة، لم تفهم سبب لجاجتها وغرور موقفها. لم تحس بانها ‘ثريتماس’ الجسورة القوية التي تأكل رغيفا كاملا كل عشية. انه يوم احست بان مركب عزمها مشلول ولا يحتمل الجدال في وقت الانذال تتساقط فيه الاهوال في كل الأحوال.

أحست الهررة وحيوانات الحضيرة بانكسار نفسية ثريثماس وبرود جماحها، فسكت واجمة تراقبها بعينها. أدركت ان ثريثماس أصبحت هذا اليوم عليلة الفكر والقدمين، يعجز عن وصفها اللسان، انه وقت الضغائن وكثرة الظنائن في كل المكائن والمدائن.

قالت لها دجاجة هرمة مسنة فاقعة لونها إنك ‘ياتريتماس موطن الأعباء والإباء، لا تبالي ان هجرك الاحباء والاقرباء، لا تكترثين للأنباء الصماء، انه يوم الثلاثاء ولا تستحقين الرثاء، ذر عنك الاختباء والاحتباء’.

احست البقرة بكسر همة ثريثماس، فقالت صادحة كالهزار ‘إنك قوية، كل صباح وعشية، ولو خسرت خسارة الملك جالوت، وحمالوك في تابوت، في جو صحو مثل جو بيروت، إنك ياقوت البيوت، وزهرة أحلي الماركات، انه انكسار في وقت مؤقت، لكل أسبوع يوم السبت، وينتهي الصمت.’
تحركت بدورها الارنبة الحامل وهي تسمع الله أكبر بواسطة الميكروفون، فقالت ‘انه وقت المواقف وتسديد الديون يا ثريثماس، واضحك مع الذين يضحكون، وتغنين أحلي الالحان بعد الاذان، لا تأكلي العجائن فتصبحين غير قارة على الصبر في الكمائن، وتصبحين من الرهائن.’
قال لها ديك كوكو ياتريتماس ‘تستحقين السمو و العلو والنمو …..الافوكادو وان تكوني زوجة الكومندو….تركبين الفولفو وتعزفين على البيانو….لست مثل بائعات الهوى في الديسكو ……او نساء اليونسكو…….سينتهي قريبا هذا الفيديو او السيناريو…..’

تحدث جرو صغير، فهمس في اذن ثريتماس، ‘هَوْ هَوْ…. لا تكترثي للأفواه من كل اتجاه…. ترفعي عن هذا التيه………ستعود المياه وتكونين ذا جاه…….سيندثر سم هذه اللسعه………. وتصبحين ملكة الواحه ……..”

في هذه الهنيهة، أدركت ثريتماس ان الفلاح للأرواح وليس للأشباح، وان الارتياح للأملاح، والنجاح للعاديات الضباح، التفاح للأصبح الملحاح، والاستقباح للتمساح القباح،

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: