مدينة غساسة الأثرية، حواضر سادت ثم بادت، مقاومة القلعيين في القرن السادس عشر الميلادي

18 يوليو 2020 - 6:37 م

امنوس.ما : جمال البوطيبي

عندما نتصفح الأرشيف التاريخي لقبيلة قلعية الريف المغربي تتبادر الى الأذهان مدينة شمالية ريفية مغربية تسمى غساسة أو خصاصة أو إيخساسن باللغة المحلية،مدينة سادت زمنا. ثم بادت وٱندثرت وسيظل المتعطش لتاريخ الأجداد يذكر هذه المدينة التاريخية العريقة،التي كانت شاهدة على حقب مصيرية من تاريخ المغرب في القرون الوسطى وما تلاها من أحداث بعد طرد المسلمين من الأندلس وبداية الإحتلال النصراني لسواحل المغرب من طرف الغزاة الإسبان والبرتغاليين، وسنعطي للمرة الثانية نبذة عن تاريخها وموقعها وسكانها وأهميتها السياسية والعسكرية والإقتصادية ونشاط مينائها الذي شكل ولقرون ، منفذا بحريا للمغرب في القرنين الثالث والرابع عشر الميلادي ، إعتمادا على مراجع تاريخية محققة ، إلى أن تم نهب هذه المدينة وتخريبها ، دون أن تسعفها نجدة ملك فاس.
وكدليل على أهميتها، فقد نزل بها أبوعبد محمد النصري آخر ملوك بني نصر* بعد طرده من الأندلس إثر ٱستسلامه لملك إسبانيا فيرناندو وزوجته إيزابيلا الكاثوليكية وذلك في 2 يناير 1492م ، قبل أن يتوجه إلى فاس بعد حصوله على إذن السلطان الوطاسي بالإقامة بعاصمة الملك.
الآثار المكتشفة في مدينة غساسة تبين أن المدينة توجد اليوم على بعد حوالي عشرين كيلومترا شمال غرب الناضور،وحوالي خمسة عشر كيلومترا غرب مليلية، ولكن معظم معالمها لا تزال مطمورة وأعمال الكشف الأركيولوجي قام بها الإسبان،في اربيعينيات وخمسينات القرن الماضي، تحديداً سنة 1951 حدد الرواد الاثريون موقعا لعصور ماقبل التاريخ بالقرب من مدينة غساسة تحديداً على الضفة اليمنى لواد غساسة وفقا لتحليله مع الحضارة الإيبيروموريطانية(بوساك،1954:114).
ومن المعلوم أن يكون بطليموس وغيره من قدماء الإغريق والرومان قد تحدثوا عن المنطقة بإسم,(ميتاكونيوم) أو (ميتاكونيوم)،(الوزان،1983:262)
وإشارات أخرى لهذه المدينة ذكرها *البكري الاندلسي في *المسالك والممالك «البكري، 1992:763» الذي حدد موقع *غساسة

أو الكدية البيضاء، قبيلة غمارة والذي يمكن أن يفهم منه أن غساسة كانت معروفة في القرن الحادي عشر الميلادي،ضمن معالم المنطقة واقدمية مدنها.
وحسب البكري فقد كانت غساسة قبيلة كبيرة ممتدة على طول ساحل جزيرة «هرگ» وماذهب إليه أحد المؤرخين الذي أشار إلى أن غساسة قد شكلت جزءا من المنظومة القبلية لإمارة بني صالح حسب «الطاهري،2013:70» ويرجح غيره أن تكون المدينة قد تم تحصينها من قبل ابو محمد الناصر إبن يعقوب المنصور عام 1204م، ليتأهل مينائها كسائر موانئ الريف «كريسيي، :1981:2007».
وعبد الرحمن بن خلدون أفاض في الحديث عن غساسة بكتابه العبر (إبن خلدون:1602)
وعن القبائل المحيطة بها حيث ذكرها من بين المدن الهامة على ساحل البحر المتوسط، مثل طنجة وسبتة وباديس ووهران.
ومن بين المراسي الهامة كذلك لإستقبال المسافرين والبضائع مقابل الساحل الاندلسي المقابل على الضفة الأخرى.حيث كانت المراكب الكاطلونية والاندلسية تتهافت على الذهب السوداني الوارد على مرسى غساسة من دول الشرق والصحراء.
وجاء ذكر غساسة أو خصاصة،في كتاب معيار الأخيار في ذكر المعاهد والديار لإبن الخطيب السلماني،في سياق وصفه المدن المغربية الأندلسية.
وبحكم أنه زار المنطقة فقد تحدث الرحالة الحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الإفريقي» بإسهاب عن مدينة غساسة، في كتابه «وصف إفريقيا» مشيرًا إلى قربها من مليلت أو مليلية ومتانة تحصيناتها وجودة مينائها البحري.
الذي كانت تقصده سفن البندقية خاصة فترة المرينيين والوطاسيين، وقد إستقبل أفواج الأندلسيين المطرودين بعد آخر ملوك الطوائف «ابو عبد الله الصغير» إلى أن باغت ملك اسبانيا «فيرناندو» سلطان فاس ،بٱحتلال غساسة في «ابريل 1506م» ست سنوات على ٱحتلال مليلة، دون أن يسارع «محمد البرتغالي الوطاسي» إلى نجدودة اهل غساسة ، لإنصرافه إلى مقاومة الثورة التي أعلنها ضده أحد أقاربه، وكما أن عدم تدخل الوطاسيين لنجدة اهل غرناطة وإنقاذها من السقوط.
وما دفع ملك اسبانيا الى ٱحتلال غساسة لقربها من مليلية،حيث كان المجاهدون الريفيون المغاربة ينطلقون منها إلى حصار مليلة أملا وبوفرة مياه نهر مليلت «واد المدور» والتي إستغلها القلعيين الاحرار لقطع شريان الحياة على مليلة، وخاصة. إن مليلة لم تتوفر على موارد مائية هامة ، وخصبة أرضها ووجود قلعة مغربية بها هي «قلعة تازوضا» التي تم إصلاحها وترميمها بقيادة أحد المقربين من سلطان فاس،«علي ابن إبراهيم العطار الاندلسي»، لتكون حامية للمجاهدين الريفيين المغاربة لمواجهة إتساع أطماع المحتل الإسباني في المنطقة، وتحت لواء هذا القائد الأندلسي قاوم المجاهدين إلى أن تم تحرير «غساسة» في يناير من عام 1533 الميلادي أي منذ 28 سنة من احتلالها لتكون قاعدة مضافة لمقاومة إسبان مليلة، من أراضي قبيلة قلعية وقد تم آنذاك تدمير مدينة مليلة، ونهبها ولم يبق آنذاك إلا حصن مشيد على صخرة كلسية معروفة الان بمليلية القديمة، وخاصة بعد المناوشات البحرية التي ظلت مستمرة بين الاسبان والقلعيين في مطلع القرن السادس عشر، ما يكون قد صرف النظر إلى إعادة بنائها أي «غساسة»
الذي يعتقد بعض المؤرخين الاسبان أن تكون مدينة غساسة الأثرية قد رممت وأعيد بنائها على يد القائد المرابطين ؤيوسف ابن تاشفين بعد رجوعه منتصرا من الأندلس «توحيد العدوتين» وتأسيسه مملكة عظيمة إستنادا إلى وثيقة كانت بحوزة قاضي «ايت بوگافر» لكن لم يتم التأكيد من مضمونها.
واورد الباحث الاسباني «فيرنانديس ديكاسترو -تاريخ إستكشاف أطلال غساسة-مدريد 1943» الذي أفاد أن أن طول أسوار غساسة يزيد عن ألفي متر في حين أظهرت الحفريات التي أقيمت على موقع معالم المدينة من أسوار ومرافق سكنية وتجارية وساحات عمومية كما تم العثور على أواني خزفية وآثار الأسواق التي كان يقصدها تجار البندقية والموانئ الإسبانية ولازالت بادية للعيان، قواعد الأسوار الرئيسية التي كانت تحيط بالمدينة وتحصنها كما لا زال يوجد فوق المدية ضريح الوالي الصالح «سيدي مسعود الغساسي الاندلسي المرابطي القلعي » الذي حاول أن يجعل من مدينته غساسة رباط جهادية لإعادة فتح الأندلس غير أن مراده لم يتحقق ليدفن بهذه المدينة وتظل مزارته قائمة الى اليوم.
وأظهرت الحفريات التي قام بها الإسبان أن مرسى غساسة كان يوجد على شاطئ البحر في أسفل الكدية البيضاء المعروفة بأمازيغية قلعية الريف «رقودچث ثاشمراتش»
كالتي بنيت عليها المدينة والمناظر اليوم إلى ما تبقى من آثار غساسة يكاد لا يعثر إلا على إنقاذ متناثرة تشهد على مجد هذه المدينة وتحكي قصص المقاومة الشرسة التي واجه بها مجاهدي «قلعية الريف» الغزو الصليبي لمدنهم وسواحلهم في أعقاب ٱسترجاع الصليبيين للأندلس ورمي ملايين المسلمين واليهود في البحر حيث تلقفتهم مراسي المغرب من بينها مرسى غساسة.
المصادر والمراجع:
✓ بكتابه العبر «إبن خلدون:1602».
✓بوساك،1954:114).
الحسن بن محمد الوزان ا
ليون الإفريقي» بإسهاب، في كتابه «وصف إفريقيا»الوزان،1983:262».
✓Metagonit
✓Hanibal(247-184 av .J.C)
✓César Luis de Montalban,(1876_1971).
✓البكري 1992: 763.
✓الطاهري ،2013:70.
✓ جمال البوطيبي وعزيز گنوني رئيسية جريدة الشمال 2000، العدد 800 ،صفحات ،الرئيسية والصفحة، 4. نشر بتاريخ 1-7 سبتمبر 2015.
✓TIPOS Y COSTUMBRES RIFEÑAS: MORABITO DE SIDÍ MESAND.- FOTOTIPIA HAUSER Y MENET, 1º SERIE, Nº 10.
صور نادرة لكدية غساسة الأثرية وضريح مقاوم قلعي سيدي مسعود الغساسي الاندلسي المرابطي الذي استشهد في القرن السادس عشر الميلادي.

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: