الكوي يكتب “خَلجاتٌ عاطفية فكرية غرب المتوسط”

28 أكتوبر 2022 - 3:26 م

 

بقلم الاستاذ بوجمعة الكوي

 

الساعة الرابعة صباحا، رن هاتف ‘الحاج خوسيه’ رنينا متواصلا، مُصدرا طنينا مسترسلا في بهيمِ الليل وألقِ العتمة، اِستفاقَ ‘الحاج خوسيه’ منزعجا وغاضبا، مُلتقطاً سماعة الهاتف، والنوم لازال يأسر أجفانه…
-‘Hola…… وِكِذِى؟

 

لم يسمع سوى خشخشة وانقطع الخط. ظن “الحاج خوسيه” أنها مكالمة عادية، وتحرشات صبيانية، هذا الاتصال في جوف ليل شتوي بارد؛ حطم أعصابه، وجمد عقله، وحرمه من نوم عميق لذيذ؛ كاد أن يحمله إلى عالم شهيق فجلس في سريره واجما وأصبح كيانه غما. يقول: في خلجات نفسه المكوية من الفراق، رغم تعدد الأذواق حيث أصبحت أحاسيسه مأسورة في قواميس ومفردات الاشتياق والإرهاق، أبرزها الإحراق مما يجعلها في حاجة ماسة إلى ترياق. إن الإنسان لا يبقى على حال، ولا يدوم على حسن بال، ومن أكثر النوم سبقه القوم، ومن ابتعد عن الوسادة، اقتربت منه السيادة.

 

لقد عَبَس وأطرق وسكت عن الكلام لِشِدّة الحيرة والتيه، مما أفقده الصوت المليح واللفظ الفصيح. قال في طيات نفسه “آه لو كنت أعرف صاحب هذا الاتصال، لفلقت ظهره، ونتفت شعره لِيبقَ عقيما منبوذا في غياهب النسيان، وظلمات العجز والوهن، وربما لن أعطِي له الفرصة ليمكث سواد ليلة واحدة في هذه الحياة. في هذه الهنيهة بدأ النوم يأسر أجفانه، ويحبس أنفاسه، ويسكت تسكعات قلبه ويلجم عقله… أحس بأن قلبه لم يعد سليما وفكره لم يعد قويما وأسلوبه لم يعد حكيما. إنه يحتاج من يلهمه الصواب ومن يعطيه كل جواب ليخفف عنه كل أنواع العذاب ويزين مجلسه بخير الأصحاب.

 

في هذه التأملات الفكرية الليلية، سمع تحرشات ديك بدجاجة مسنة هرمة فاقعة لونها من الحظيرة الصغيرة التي تتطاير منها رائحة الأطيان والأعلاف وقشور الرمان، جوار بيته الريفي الذي يحتوي على حمار وبغل وديك وسبع دجاجات سمان. في هذه اللحظة، استلقى على ظهره وتمدد في فراشه فحاوره الشيطان الرجيم في ظلام بهيم، أن نم فلا تخف على الفريضة فإن الأوقات عريضة.

 

بنبرة الوحش المُكشِّر عن أنيابه والجندي الممسك بزناده يتذكر طامة حياته وكابوس قلبه وجحيم صدره وحب حياته… إنها حبيبة ماضيه ومستقبله التي أحبها شوقاً واختياراً لا قهراً وإجبارا. لم يستطع أن يتحرر من أغلال حبها المسموم، وسط النساء الباهرات العاريات وأجساد تتخاصر، وشفاه تتلاثم؛ في شهوة مشتعلة وأفواه تتنفس الحشيش في خدر وتلذذ. ليتنى كنت حصان الحلبة الوحيد المجيد، أفوز بها بلا منافس عتيد ولا شخص عنيد. لقد ضج قلبه من الجراح وعجز عن إيجاد اللقاح. لقد أصبح لحن فؤاده النياح الذي يمتطي حركات الرياح: لا تثق في شمس الشتاء ولا في قلب النساء فإن الحب بقاء، وليس لقاء؛ فالمواسم لا تدوم والدنيا آخرها ختام.
لم يفهم ‘الحاج خوسيه’ سماجة ولجاجة أفكاره، ولم يستطع نسيانها رغم توالي الليالي والشهور والأيام والدهور، رغم أن في بحر عينيه طوفان طموح عجيب، لا ترى دموعه إلا في موضع سجوده، ولا يرى خوفه إلا في انحنائه وركوعه فهو يردد دائما لا تخف من الأفاعي وسمها بل اتّق البنت وغدرها. حبه لها يرقد في كينونته ممنوعا من الصرف والتحويل، ولكن يحاول إقناع نفسه المتأرجحة بين أمل فقد لمعانه، وإحباط مغروس بدقة في حدود أفكاره، بأن الدنيا ممر، وليست مستقر.

 

بدأ هاتفه يرن للمرة الثانية، في هذه الأثناء أدرك أن المتصل هو أحد بحارة “بني بوغافر”، الذين يودون الرجوع إلى أماكن إقامتهم، خاصة وأن البحر في هذه الليلة كان هائجا، متلاطم الأمواج والسماء مَكسُوة بالغيوم توحي بيوم مكفهر ممطر عاصف. استيقظ ‘الحاج خوسيه’ مسرعا وتوجه لصلاة الصبح، لكنه أدرك انه يتوجب عليه الغسل الشرعي. في هذه الليلة الباردة، تسلل شعور الكسل إلى شرايينه، والخمول إلى أعضائه فقرر أن يؤجل صلاته حتى يعود من مهمته.

 

ستة عقود من الزمن يراها خلفه بعثراته وإنجازاته، بأفراحه وأتراحه، بأحلام تحققت وأخرى تبددت. ستون عاما مضت وكأنها لمحة بصر أو لمس حجر يتذكر فقط بعض الذكريات من بعض الأغنيات التي سكنت خلجات نفسه، واستوطنت شرايين قلبه… من أهان شبابه، أهانته شيبته، وقَلّت هيبته وساءت نهايته. إن الحقير حقير، ولو اِلتحف بالحرير.

 

في هذه الأثناء، أُحَسَّ بشحنة حماسية غيرت مزاجه، وحسَّنت طبعه، وألهبت وألهمت قواميسه اللغوية والفكرية التي تعلمها في مدرسة الأيام ودروس الأعوام. لقد أسرج خيول الشوق بفؤاده، حتى ينسى ولو لهنيهات معدودة كل ما يُكهرب أعصابه، ويغرد به بعيدا عن جو روحه الغرامية للحياة؛ في هذا الصباح الشتوي خصوصا، عندما غادره طائر السعد، وطعنه بلسانه فألقي حبله على غاربه ففلق ظهره، وجعله عليل الفكر والحركة. لم يفهم ‘الحاج خوسيه’ سبب لجاجته وغرور أفكاره الآنية. يقول في نفسه: لقد زرعت أمالي في أرض سبخة مع هؤلاء، نسل القردة المارقين والناكثين للعهود، الذين اِسودت قلوبهم فَسَوَّد الله سعدهم. يتحسر الآن على الأيام الخوالي، التي قضاها في فرنسا، عندما كان شديد الصولة والسطوة، عندما كانت البنات والحبيبات كربطات عنق في قاموس قلبه، يبدلهن حسب موقف، ولحظات، بروده وجموحه الجنسي.

 

اِرتشف بعضا من قهوته الصباحية، التي مرت عبر بلعومه وصعدت إلى الأعلى تتراقص في عقله، فدغدغت مزاجه ليعيش هوسا مؤقتا لذيذا. أسرع فأخرج سيارته الألمانية ‘مرسيدس 240’ المتهالكة القديمة ذات الإطارات المتآكلة، فتحرك قاصدا ميناء بني أنصار بين خضرة غابة “بني بوغافر”، وزرقة بحره التي لسعته بدفقة حماسية فأيقظت تفكيره، قبل جسده ومكنوناته قبل عينيه. لقد أصبحت أحاسيسه طوائف ونحل وملل حتى أضحت خرابات يزعق فيها البوم، وتعسكر فيها جثث الغياب والأحباب في مقبرة النسيان.

 

تابع مسيره، لكن بساط خياله حط به الرحال في فترة كان فيها تلميذا قاطنا بداخلية “ثانوية فرخانة”، وكيف اتصل أول مرة بقافلة العشق والحب، عندما وقع أسيرا في حب سهام “البويفارية”، الذي تسلل ليلا في ليلة مقمرة إلى جناح إقامة التلميذات بالداخلية، ليعترف بما يعتمر صدره وقلبه، وليطلق العنان لمشاعره كي تتحدث عن نفسها، لعل الحظ يسعفها، فتتبدد ظلمة الليل وعتمته إلى نهار مشرق، حتى ولو إلى حين. رمى زجاج غرفتها بحجر صغير، فما لبثت أن أطلت عليه بشعر غير مرتب الذي بدا كأنه ترتيب مقصود لعالم غير مرتب في هذا الليل …. وأخيراً استقر بصره عليها فأخذ يتحدث فاتحاً فمه على وسعه.

 

وفي اللحظة التالية، أطلت من النافذة بعينين مضيئتين أخذتا تهتزان وهما تنثران حولهما ضوءاً دائرياً، أنار قاموس “الحاج خوسيه” الرومانسي، التي تعلم بعضها من مسلسلات مكسيكية، وقد حان الوقت ليزيل عنها غبار الأيام ويستعملها، لعله يقهر بها قلب سهام القوي الذي رماه بسهام مسمومة فخرج قلبه عن طوعه، فرفع راية الاستسلام لعشق سهام، وكل شيء يرتبط بسهام. بعد برهة، قال صادحا كالهزار:

 

-سهام……. لقد ضبطت قلبي متلبسا بحبك مثل لص صغير، يود أن يسرق رغيف حنانك. قد أشهد على نفسي بالهذيان، لكن اسمك يرقد في قلبي ممنوعا من الصرف والتحويل. لقد ظلمت قلبي بعدم البوح مبكرا وأنا مستعد إلى أن أساق إلى مذبح القصاص العاطفي.

 

 

-أجابته بصوت قوي أنثوي، فقالت: أيها المارق، لقد جعلت قلبك مرتعا للشياطين، اسمع لا يستطيع ملكان الإقامة في إقليم واحد ولسيفان في غمد واحد، إذا كنت تحبني حقا كما تهذي لماذا تعترف يوميا للفتيات بحبك المزعوم هذا؟ اسمع لا وقت لدي لسماع هذه الأراجيف التي يرددها رعاع الناس؟ الإناء ينضح بما فيه، جلجل بصوتك المنكر هذا حتى يسمعك حارس الداخلية.

 

 

واصل سيره، ومحرك سيارته يبعث دخانا أسودا قاتما، قاتمة بهمة ليل شتوي بارد. إنه جريح القلب مندمل الصدر رغم ذلك لم يكترث للأراجيف التي يرددها رعاع الناس، يرددها في طيات نفسه. وصل إلى بوابة سوق بني شيكر الأسبوعي وسط عجيج وضجيج الباعة الذين يحاولون إقناع الزبائن مستفيدين بما صقلته التجربة وأنضجته الأيام، وعلمتهم مدرسة الأعوام من حيل ومهارات.

 

يتجول واجما في السوق يتأمل الخضروات المعروضة ويطلق العنان لنفسه كي تجول وتحلق في السوق في بحث مستمر وغير مستقر، لعله يتجاوز نظرات الباعة التي يعتبرها أثقل من ألف من الشتائم، بل أثقل من المدة التي قضاها في غياهب السجن وهو كظيم التي جعلته يمقت أصله وفصله، عندما تعلل الرفاق وكرهوا اللقاء، تف على وجهوكم إنها صبيانية ولدانية. في هذه الأثناء يتلقى اتصالا من قافلة عشق الحياة، تخبره أن معارك المصير للعاديات الضباح والرغبات الملاح والقتال المباح في الصباح.

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

%d مدونون معجبون بهذه: