رأي : عبد الاله عبو يكتب ،، حلف الناتو و زراعة التوتر في العالم !! ،،

12 مارس 2022 - 7:33 م

 

بقلم : عبد الاله  عبو

 

منذ 3 عقود أو ما يزيد و دول العالم العظمى المنتصرة في الحرب الباردة تحاول بناء ميزان قوى ترجح كفته لصالحها بعد تمكنها من إسقاط علم جبهة ذات بأس شديد – الإتحاد السوفييتي – .. الأمر الذي يبدو مستحيلا .. فعالم بدون توازن يعني جهتين غير متكافئتين .. أحداهما قوية طاغية وأخرى ضعيفة خاضعة، ومع وجود أقطاب متقاربة القوة والبأس لها تاريخ عتيد تستند عليه، تتغذى بالتنافس والشد والجذب يخلق بعض التوازن.

اليوم .. استأسد حلف شمال الأطلسي والتهم دولا كانت بالأمس جزءا وحدودا للإتحاد السوفييتي .. ما لم تستسغه وريثة هذا الإتحاد – روسيا الفيدرالية -، وقبل اليوم تحرشات حلف النيتو قرب حدود هذه الدولة.
دول حلف النيتو أو اتحاد المصالح العظمى يبدو لي أنها زرعت التوتر في العالم وقدمت نفسها كحل .. أمرها في ذلك كمن يقتل ويجلس عند رأس المغدور ينتحب ثم يمشي في جنازته .. أوقدوا الفتنة في بلاد الأفغان  بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بداعي محاربة تنظيم القاعدة ومنعه من اللجوء إليها .. فخربوا البلاد عشرين عاما ليخرجوا بعدها تاركين الخراب وتنظيم القاعدة لازال حيا يعيث في الأرض فسادا، استباحوا العراق القوي أيام عزه بداعي تهديده سلام المنطقة بأسلحة الدمار الشامل وإيواءه لتنظيم القاعدة ليخرجوا ويقولوا بعدما زرعوا فيه وتسببوا في تعشيش الإرهاب والتفرقة والطائفية فيه هو الآخر حتى بات اليوم ” جامعة هارفرد للإرهاب ” كما قال ترامب، واغتصبوه في موارده .. أنهم لم يجدوا الأسلحة .. وما أدى تدخلهم إلا لاستخلاف تنظيم إرهابي على آخر في العراق والشام بعدما ظهر التطرف وجماعة داعش الإرهابية  .. يا للعجب .. زعزعوا ليبيا وتونس وسوريا وغذوا الحروب الأهلية فيها واغتصبوا افريقيا حتى عادت مضرب أمثال الفوضى والتسيب وتركوها بين فكوك المجاعة والعوز والأمراض والإرهاب بعدما كانت مقبرة لمخلفاتهم الصناعية والنووية وذبيحة سمينة مباركة تغذي مصالحهم الإقتصادية – الأوروبية خاصة – كي لا تقوم لهذه القارة قائمة .. قدموا أنفسهم كرعاة للسلام العالمي والقانون الدولي الذي وضعوا أحكامه وتركوا ثغرات لينفذوا منها .. استعملوا القوة دائما لتحصيل وتحصين مكاسبهم .. ناعمة كانت برعايتهم حقوق الإنسان حول العالم وبإعلامهم أو عنيفة .. خربوا العالم البعيد عن عتبات منازلهم لينعموا بالراحة ويصدروا صناعاتهم العسكرية ويستمتعوا بمكتسباتهم ويخلدوا رعاةَ للسلم والنظام العالمي .. نظام جائر ظالم لا تقوم فيه لدول صنفوها دولا من عالم ثالث قائمة لتبقى مجرد أسواق استهلاكية وبقرة حلوب وأحطابا لنيرانهم.

وريثة الإتحاد السوفييتي هي الأخرى لن تترك إرث والدها من قوة ونفوذ يضيع، إذ لابد لها من حجز مكانها في نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية والقطبية الثنائية .. وطدت هي الأخرى علاقاتها وزرعت ما زعرته من قلاقل واستفادت من الفوضى التي خلقها القطب الثاني للنظام العالمي فحصنت بادئ الأمر سيادتها على أعتابها إذ تدخلت في الشيشان التي كانت ترنو للاستقلال والنأي بجانبها ونجحت في ضمها إلى سيادتها .. ثم اتجهت بقواتها اتجاه بؤر التوتر فدعمت صربيا ضد إقليم كوسوفو وحلف النيتو إلا أنها سرعان ما تراجعت عن ذلك أمام ضغط الغرب.. ثم بعد ذلك الدول التي استقلت فعلا كجورجيا التي أنزلت بها ما تنزله اليوم بأوكرانيا حيث ساندت إقليمي أوسيتيا وأبخازيا الانفصاليين ضد جورجيا.. ثم بعدها أوكرانيا التي طال صراعهما إذ قبل 2014 كان فيها نظام موال لروسيا خدم رغبتها في جعل أوكرانيا أبعد عن الاتحاد الأوروبي والنيتو، لكن سرعان ما تغيرت الأوضاع بعد تعليق رئيس أوكرانيا الموالي لروسيا اتفاقية شراكة بين الاتحاد وأوكرانيا ما أخرج احتجاجات اسقطت نظامه واستدعت تدخل روسيا بحجة حماية رعاياها في القرم .. تدخلت روسيا في شبه جزيرة القرم وضمتها لسيادتها باستفتاء، ثم قادت اتفاقية مينسك لوقف اطلاق النار في الدونباس، هذا الأخير الذي جعلته بابا مشرعا لها للتدخل في أوكرانيا اليوم.. وبعد فراغها دخلت الشرق الأوسط فدعمت نظام الأسد في سوريا .. لتعود اليوم وتزعزع استقرار شرق أوروبا وتتدخل عسكريا عبر إقليمي دونيتسك ولوغانسك الواقعان في منطقة الدونباس وتطوق شرق أوكرانيا لإركاعها ونزع سلاحها وإجهاض حلمها بعضوية الإتحاد الأوروبي والنيتو.
.. وبحنين لأمجاد الأب وتلافيا لأخطائه التي سقط فيها حين هرمه يحاول بوتين حماية ما تبقى من حدوده خارج النيتو -منطقة القوقاز وأوكرانيا- وذلك بالرغم من أي ثمن قد يدفعه.

اتحد الغرب وخاصة أوروبا ودعموا كعادتهم الحرب بالنيابة بعدما استشعروا أن الخطر الذي لطالما حاولوا درأه وإبعاده عن عتبابتهم قد التصق بياقتهم .. كلهم اليوم لسان حالهم ” هذه ليست سوريا أو العراق .. ” ” هؤلاء ليسوا ارهابيين ” ” هؤلاء شقر بيض وذوي أعين زرقاء ..” أخرج الخوف حقيقتهم للعلن .. رعاة السلم والمساواة باتوا اليوم رعاة للعنصرية .. وسفراء الخير والإنسانية اليوم يفرقون بين البشر على أسس الدين واللون والأشكال رغم أن كل بنود حقوق الإنسان كتبت بحبرهم وأقلامهم .. كشف الخوف حقيقتهم لا سيما أوروبا التي تأفل شمسها ويتراجع نفوذها بسبب عجزها الطاقي وتراجع سطوتها على افريقيا بانفلات دول هذه القارة وسيادتها وتقريرها الفعلي لمصيرها واختياراتها في الاتجاه شرقا أو غربا .. كل ما كان ممنوعا بات اليوم مسموحا به فيسبوك العملاقة المحافظة اليوم تسمح بمحتوى يدعو للعنف ضد الروس .. إعلام يسير العالم بقبضة من حديد اليوم يوجه الرأي العالمي ضد الروس ..القطب الغربي يحشد حلفاءه ضد الروس.. فتيل التفرقة الذي زرعوه في أراضي المسلمين كي لا تخرج منهم امبراطورية أموية أو عباسية أو موحدية أو مرابطية أو مملوكية أو عثمانية أخرى وهكذا في العالم اشتعل في عقر دارهم اليوم ..

التنين الصيني يراقب الأمور من بعيد مفضلا الحياد .. قوة ضاربة يُتَنبأ لها بمستقبل واعد تكون فيه عرابة تُحرك دفة العالم .. كون نموها الاقتصادي بدأ يتجاوز الولايات المتحدة وأوروبا وسياستها الخارجية في بسط نفوذها الإقتصادي وتعزيز نفوذها السياسي عبر المال بإغراق الدول بالديون والاستثمار في البنيات التحتية كما تفعل في أفريقيا وآسيا  .. ثم طموحها في بناء أكبر مشروع في التاريخ للبنية التحتية والإستثمار ” الحزام والطريق ” ساعية به لتشكيل منطقة تجارية كبيرة تحتوي أكثر من 68 دولة ترتبط بشريط السكك الحديدية والطرق البرية والبحرية تعبر من الصين وتخترق آسيا من كل اتجاهاتها نحو أوروبا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي .. لتسود حال تحقق مشروعها هذا حصة الأسد من خطوط التجارة العالمية .. هذا وتعزيز قوة عملتها اليوان الصيني وتشجيع تداولها والتعامل بها لرفعها لمستوى تكون فيه عملة صعبة تنافس الدولار .. هذا إلى جانب صعود نجمها قوتها التي برزت وتتنامى في مناح أخرى .. ما يهدد بعض الشيء عرابي النظام العالمي ويحتم عليهم كبح جماح هذا التنين، ووأده في المهد.

” السياسة ” هذا المجال الذي منحهم قبل اليوم مصالح كثيرة ومكنهم من العالم انقلبت كسحر على ساحر .. لا يمكنك عبور نهر جار دون أن تبلل قدميك .. المسيح الأرثوذوكس ضد المسيح الكاثوليك .. قوى الغرب ضد قوى الشرق ..  تناحروا اليوم لتجرعوا من كأس التفرقة .. تناحروا اليوم لتظهر حقيقتكم .. تناحروا اليوم لتنكشف بعض  ألاعيبكم .. تناحروا اليوم لتمنح الدنيا والسياسة للمظلومين فرصة مشاهدتكم تتقاتلون وتُحِق بعض العدل لصالحهم .. المرير أنهم كالعنكبوت لا يمكن للعالم الاستمرار دونهم رتبوا أمورهم بمنتهى الحكمة والعقل بحيث لا يمكن لأحد غيرهم أن يكون عراب النظام العالمي بعدهم ومن يسطع نجمه يجب إطفاءه.

كل الشرور بدأت من أروبا وكل ساق سيسقى ببعض ما سقى .. وأوروبا في منتصف الصراع تحاول الصمود أمام أميركا وبريطانيا من جهة والشرق من جهة أخرى.
السياسة عادلة أحيانا.

ويبقى هذا مجرد رأي ..

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

%d مدونون معجبون بهذه: