متى تلبس “حداثتنا ” ثوبا أخلاقي؟؟

15 فبراير 2022 - 3:29 م

أمنوس. ما _ بقلم الأستاذ محمد بادرة

 

ما وجه الخطر في الحداثة؟ اليس لها الفضل في الانجازات الايجابية في مسيرة التقدم الحالي؟ الا يستمتع الانسان الحالي بمباهج الحضارة والرقي؟ ما الذي يدفع البعض الى ادانة الحداثة واتخاذ موقف سلبي منها؟ وما الجوانب السلبية منها؟
انه بالرغم من ان الغرب قطع اشواطا كبيرة في سلم الحداثة والتقدم وتطور سريعا في مدارج العلم والتنمية التكنولوجية والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، لكن هذه المفاهيم الحديثة مازالت محط مراجعة ومناقشة لاسيما عندما تبرز ظواهر سياسية ذات نزعة شمولية كليانية وميولات فاشية واضحة، والحديث عن الحداثة في الوقت الراهن تشابكت مع اليات الدولة الحديثة التي بلغت مستوى عال في تنظيماتها العقلانية مما انتج مشاكل اجتماعية واخلاقية لها علاقة عملية بالحريات الفردية وبالاختيارات العقلانية بوصفها اختيارات ذات مضامين اخلاقية ونفسية.
ان الملاحظ ان الحداثة أورثت الانسان ” طوفانا من الاقوال” غطت هوله واخفت فداحته بأسامي مختلفة شان(انفجار المعلومات) و(ثورة الاتصال) و(سلطان العقل) و(تداول المعرفة) و(عولمة الاعلام والاقتصاد..) فتسببت في فتنة عقلانية وفتنة تقنية، فصارت الحداثة (حضارة ناقصة عقلا وظالمة قولا و متأزمة معرفة ومتسلطة تقنية). الغت التراث اكان تراثا دينيا او ثقافيا او سياسيا او اجتماعيا، وانفصلت عن الطبيعة واستعبدتها، وجعلت الانسان الة دلولة فصلته عن الحيز الجغرافي والفيزيائي وهي الامتدادات التي بها يتقوم وجود الانسان ويتحدد. (طه عبد الرحمان – سؤال الاخلاق –ص145)
حصر جان شيزنو Jean CHESNEAUالجوانب السلبية للحداثة في عدة ظواهر اساسية نذكر منها:
أ- التنميط والنمذجة : حيث مجتمع الحداثة يفرض معايير صارمة على البشر والاشياء ويتصرفون وفقا لهذه المعايير، وكل شيء مرمز وتحول الى حروف ورموز تختصره وتسحق حقيقته الواقعية وتخفيها (الموظف برقمه – والشركات والاحزاب والنقابات والمؤسسات برموز او حروف..) كل شيء في مجتمع الحداثة من اشخاص واحزاب ونقابات وشركات وسيارات وفنادق.. تحول الى رموز تجريدية مميتة للشخصية حتى اسماء الموظفين لا تعرف الا بأرقام تأجيرها…واسماء الدوائر والمحافظات استبدلت بأرقام ورموز واختفت حقيقتها الجغرافية والبشرية والطبيعية من مخيلة المواطنين.
ب- البدائل الالية : في مجتمع الحداثة اصبح التواصل يتم مع الآلات فحسب ويتعذر كل تواصل بشري تقريبا ، اذا اردت شراء بطاقة يكفي ان تضغط على زر في الة نقود ..ونفس الشي اذا اردت شرب قهوة او شراء شكولاتة يكفي الذهاب الى الة اخرى وتضغط ويخرج لك ما تطلبه ثم تروح لتتحدث مع نفسك ؟؟ في هذه اللحظة تشعر بالذكاء وممارسة الحداثة ولذة السهولة ..
ان مجتمع الحداثة مجتمع كثيف معتم يسير من وراء الستار.. انه مجتمع كافكاوي يختفي فيه متخذو القرار عن الانظار فلا يراهم احد ولا يعرف بوجودهم احد، وكل شيء تشيا في مجتمع الحداثة ورغم ان الناس يتمتعون بمختلف وسائل الترفيه والاستهلاك، ولكنهم فقدوا مبادئهم الشخصية والفردية وتحولوا الى سلع تستهلك وتستهلك في الوقت ذاته.
في مجتمعاتنا – نحن – شكلت الحداثة تحديا كبيرا امام حركة المجتمع وتطوره، ونخبنا الثقافية والسياسية على اختلاف مستوياتها لم تتمكن من اعادة قراءات نقدية عديدة والحسم في “مسالة الحداثة” التي هي بحق قضية القضايا في الفكر المغربي الحديث والمعاصر. فلا هي راهنت بالإجماع على الحداثة حتى ينتصر الجديد على العتيق والمتحول على الثابت، ولا هي ساهمت في “تخليق الحداثة” عن طريق ” التطبيق الداخلي” لا استيراد ادواتها ومقولاتها، اوعن طريق التجديد والابداع لا الاتباع( طه عبد الرحمان). والاشكال المحرق في مواقف هؤلاء جميعا هو انه كلما تعلق الامر بالحديث عن الحداثة والتجديد والتغيير الا وطرحت قضية الاخلاق والقيم.
صدمة الحداثة وسقوط القيم والاخلاق
لقد استأثرت الحداثة عند العديد من مثقفينا وكتابنا وخصوصا المشتغلين منهم في الحقل السياسي والثقافي، فمنهم من تطرف في الموضوع ومنهم من توسط ومنهم من شكك في استنبات الحداثة في مجتمعنا، لكن الكثير منهم ادركوا اهمية الدعوة الى الحداثة واشاروا الى قصور الجهد المبذول في مجال تحديث المجتمع والفكر. فالعروي والجابري والخطيبي وسبيلا اجمعوا على ان الحداثة ضرورية لإصلاح الفرد والمجتمع لأنها مقرونة ب”العقلانية”، بمعنى انه لا يمكن ان (يكون الانسان العربي حداثيا دون ان يكون عقلانيا) مع تباينهم في تحديد المقصود بوسم ” العقلانية”. الا ان الاستاذ طه عبد الرحمان تميز عنهم باستشكاله لأمر “الحداثة” وفي نظره ان (تكون حداثيا هو ان تكف عن “تقليد” الحداثي) والا صارت الحداثة تقليدا. وميز طه عبد الرحمان بين (روح الحداثة ) وواقعها في التطبيق مؤكدا ان روح الحداثة هي “قيم كونية” لكن دافع الحداثة هو التطبيق المحلي لها وليس استيرادها من الغير.
واجه طه عبد الرحمان تحديات الحداثة بلفظ واحد(الاخلاق)، فلا حل عنده لمشاكلنا ولمشاكل الحداثة الا بكلمة واحدة( التخليق ) واذ يقف هو على الآفات التي تحملها الحضارة الحديثة الى الانسان ومنها– الاستغلال المفرط للطبيعة– استعباد الامم الفقيرة –- التسلط التقني – مما يجعلها حضارة حداثة ناقصة ظالمة متأزمة متسلطة تؤدي الانسان في صميم وجوده الاخلاقي، لذا لابد في نظره من بناء حضارة جديدة لا يكون السلطان فيها ل” اللوغوس” وانما يكون فيها ل” الايتوس” (اي الخلق) بحيث تتحدد فيها حقيقة الانسان لا بعقله او بقوله وانما بخلقه او فعله.
ان ما عمي عن الحداثة هو غياب الخلق، فالحداثة وتابعتها العولمة نظرت الى الانسان من حيث هو ( منظومة من الوقائع والوسائل ) اي باعتباره منظومة الية ممكننة، يكون فيها الانسان عبارة عن الة وكفى، وليس الامر كذلك بل الانسان كان وما يزال مجموعة من القيم والمقاصد اي انه مجموعة معنوية والانسان في الحقيقة (اية) قبل ان يكون (الة) وهذه ( الآية) كتبت بأحرف الاخلاق.
ان هوية الانسان اساسا ذات طبيعة اخلاقية وان الحقيقة الانسانية لا تتحدد الا بالأخلاق وان الانسان ( ما خلق الا ليتخلق) طه عبد الرحمان – سؤال الاخلاق
كما بين ان الحداثة الغربية قررت فصل الخلق عن الدين والحال ان لا خلق بلا تدين وانما الاخلاق (مأخوذة من الدين) واثبت ان ( لا انسان بغير اخلاق ) وان ( لا اخلاق بغير دين) وان (لا انسان بغير دين).
مكر الحداثة وضرورة الحذر منها
ان الحداثة التي يدينها العديد من فلاسفة الغرب والشرق ليست تلك التي تغنى بها بودلير او رامبو من قبل حيث كانت آنذاك تعني التحرر وكسر القيود، على عكس حداثة اليوم وهي حداثة التقنية والتصنيع المفروضة على الجميع بنفس ضغط واكراه قانون الجاذبية
فعلى حد تعبير ماكس فيبر فالتقدم التقني المتسارع الى ما لا نهاية قد يصبح غاية بحد ذاته بدلا من ان يكون مجرد وسيلة لإسعاد الانسان. فهي تفرض نفسها عن طريق الاكراه والقسر، وهي على هيئة نظام صارم ضابط جامد كالأخطبوط يشمل كل شيء.
ها هو نيتشه هو الاخر يبحر ضد تيار الحداثة ويصرخ قائلا ما معناه ( احذروا من هذا التقدم التكنولوجي الذي لا غاية له الا ذاته، احذروا من حركته الجهنمية التي لا تتوقف عند حد سوف يولد في المستقبل افرادا طيعين خاضعين مستعبدين يعيشون كالآلات، احذروا من هذه الدورة الطاحنة للمال وراس المال والانتاج الذي يستهلك نفسه بنفسه، احذروا من عصر العدمية الذي سيجيئ لا محالة اذ لا يكفي ان تسقطوا الالهة القديمة لكي تحلوا محلها اصناما جديدة، لا يكفي ان تنهار الاديان التقليدية لكي تحل محلها الاديان العلمية فالتقدم ليس غاية بحد ذاته وانما هو وسيلة لإسعاد الانسان).
كان نيتشه اول من نبه الى مخاطر الحداثة حتى وهي في اوجها، وعرف بنواقصها ومازقها وانانيتها وتعجرفها واحتقارها للبسطاء واستغلالها للثروات حين تكالبت الطبقة البورجوازية التي رافقت صعود الحداثة على استغلال العالم الفقير ونهبه، ففي الوقت الذي راح هو يزداد فقرا راحت هذه البورجوازية الحداثية تزداد غنى دون ان تشبع، وهنا يكمن النقص الاخلاقي الكبير للحداثة حيث ان لها جانبها الجشع والمستغل والمدجن والمضطهد لفئات عديدة في الداخل والخارج معا.. فسقطت القيم والاخلاق وافتقدت الحياة انسانيتها واصبح الجميع يعيش بدون قيم والعيش بدون قيم يعني الفوضى والفوضى كما يقول نيتشه هي عبودية ايضا.
وعبر نتشه عن ازمة القيم حين قال ( لقد عاش الانسان من اجل القيم العليا المقدسة وفي خدمتها خصوصا عندما كانت تتحكم به ودفع الثمن باهضا.. لقد ضخمت هذه القيم الاجتماعية وبولغ فيها ونصبت فوق الانسان واصبحت كما لو انها تمثل اوامر الالهية لقد نصبت فوقه بصفتها ” الواقع الامثل ” و” العالم الحقيقي” وبصفتها امل العالم ومستقبله واليوم انكشف كل شيء وفقدنا كل شيء وخسرنا القيم وهذا يبدو عبثيا وعدميا) – كتاب العدمية الاوربية-
ويرى مؤلف كتاب الحداثة جان شيزنو ان الذين يرفضون ممارسة الحداثة المزيفة وبديهياتها هم اكثر مما نتوقع، ذلك ان اعدادهم تتزايد يوما بعد يوم، وهم جميع يقولون لا للحداثة ويرفضونها ولو بالصمت، وهم يمثلون اليوم ” ملاحدة” الحداثة:
يقفون في وجه النظام الاقتصادي العالمي الجديد والثقافة السطحية المرافقة له
يدحضون ” الحق التاريخي” للغرب في الحفاظ على نهبه واستغلاله لثروات الشعوب الفقيرة التي تموت من الجوع والعطش
يطالبون بالتحكم في التقدم التكنولوجي الذي اصبح خارج السيطرة
ان الحداثة كما يقول هاشم صالح حداثة مازومة، والعالم كله مأزوم، الشرق مأزوم والغرب مأزوم، ازمة الشرق اتية من كونه لا يعرف كيف يتخلص من بناه العتيقة البالية، ومن كسله المزمن ..وازمة الغرب اتية من حيويته الزائدة عن اللزوم، ومن تطوره التقني المتسارع بشكل جهنمي، سببان مختلفان والنتيجة واحدة : انها الازمة الكونية الشاملة
هاشم صالح –
ولكي يستعيد التقدم معناه ينبغي تأسيسه على القيم واحترام القيم والاعتراف بالقيم حيث انه ( لا شيء اخص بالإنسان من الاخلاق) وان (لا انسان بغير اخلاق) وان (هوية الانسان اساسا ذات طبيعة اخلاقية )وان (الانسان ما خلق الا ليتخلق) هذه كلها اقوال وحكم يحاول بها الاستاذ طه عبد الرحمان ان يظهر مدى الزامية ملازمة الحداثة للأخلاق بعد ان انهارت النظريات الاخلاقية و الأنساق المعيارية والدساتير السلوكية الكبرى التي كانت الى حدود الامس توجه الحداثة الغربية، فتسبب ذلك في فراغ اخلاقي لا يحتمل.

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

%d مدونون معجبون بهذه: